محمد هادي معرفة
28
صيانة القرآن من التحريف
الأبد ! لولا أنّه اختلاق ألجأهم إليه ضيق الخناق . لأنّ أصحاب تلك المزعومة استدلّوا لإمكان المسألة بجانب الوقوع « 1 » زاعمين صحّة تلكم الروايات ومن ثمّ حاولوا علاجها بهذا الأسلوب الغريب . وقد كانت قواعد الفن تقضي برفض أمثال تلكم الروايات التي تمسّ كرامة القرآن أوّلا ، وتنافي جانب ضرورة ثبوت القرآن في جميع آية بالتواتر دون أخبار الآحاد ثانيا ، وقد قيل في المثل : ثبّت العرش ثمّ انقش . وقد تنبّه لضحالة هذه المزعومة الغريبة بعض كتّاب العصر ، هو الأستاذ العريض ، ناقما وناقدا لها نقدا حكيما . قال : وذهبت طائفة من العلماء إلى إنكار هذا النوع من النسخ وعدم وقوعه في كتاب اللّه عزّ وجلّ ، لأنّه عيب لا يليق بالشارع الحكيم ، لأنّه من التصرّفات التي لا تعقل لها فائدة ، ولا حاجة إليها ، وتنافي حكمة الحكيم . قال : والحقّ يقال إنّ هذا النوع من النسخ وإن كان جائزا عقلا ولكنّه لم يقع في كتاب اللّه عزّ وجلّ ، لأنّ هذه الروايات روايات آحاد ، والقرآن الكريم لا يثبت بروايات الآحاد مهما كانت مكانة قائلها ، ولا بدّ فيه من التواتر ، كما أجمع عليه العلماء قديما وحديثا . ولو أنّه صحّ ما قالوه لاشتهر بين الصحابة جميعا ، ولحفظه كثير منهم أو كتبوه في مصاحفهم . ولكن لم يرد شيء عن غير هؤلاء الرواة . فلا يمكن القطع بأنّ هذه الآيات التي ذكروها كانت مسطورة في عهد النبي صلّى اللّه عليه واله وفي صحف كتّاب الوحي ثمّ نسخت بعد ذلك ورفعت من المصحف - كما رواه بعض الصحابة - وبقي حكمها للعمل به . وأيضا فإنّ الحكم لا يثبت إلّا من طريق النصّ ، فزوال النصّ مقتض لزوال الحكم ، ولم يظهر لزوال النصّ وحده حكمة من عمل الحكيم لأنّ الحكم ما زال قائما لم ينسخ فأيّ فائدة في نسخ تلاوته ؟ قال : ولعلّ ما قاله سيّدنا عمر بن الخطاب : « إنّا كنّا نقرأ في كتاب اللّه . . . » الكتب التي كان يحفظها هو وغيره ، من باب المبالغة في تشبيه الأحكام التي قالها الرسول بالآيات
--> ( 1 ) - راجع : مناهل العرفان للزرقاني ، ج 2 ، ص 215 - 216 .